لم أرَ مالاً أضيعَ، ولا عملاً أخيبَ، ولا إحسانًا أسوأَ، من الإحسان إلى هؤلاء المتسوِّلين الذين يطوفون الأرض، ويقلبونها ظهرًا على عقب، ويجثمون في مفارق الطرق وزوايا الدروب وعلى أبواب الأضرحة والمزارات، يصمُّون الأسماع بصريخهم، ويقذون النواظر بمناظرهم المستبشعة، ويزاحمون بمناكبهم الفارسَ والرَّاجل والجالس والقائم، فلو أن نجمًا هوى إلى الأرض لهووا على أثره، أو طائرًا طار إلى الجوِّ لكانوا قوادمَه وخوافيَه.
وإن شئت أن تعرف المتسوِّل معرفةً حقيقية؛ لتعرف هل يستحق عطفك وحنانك عليه، وهل ما تسديه إليه من المعروف تسديه إلى صاحب حاجة؟ فاعلم أنه في الأعم الأغلب من أحواله: رجل لا زوجة له ولا ولد ينفق عليهما، ولا مسكنَ عنده يحتاج إلى مؤن ومرافق، ولا شهوة له في مطعم أو مشرب أو ملبس، حتى لو علم أن الانقطاع عن ذلك الخسيس من الطعام والقذر من الشراب لا يقعده عن السعي في سبيله، لانقطع عنه، وهو لو شاء أن يتزوج أو يتخذ له مأوًى يأوي إليه لفعل، ولوجد في حرفته متَّسعًا لذلك، ولكنه الحرص قد أفسد قلبه، وأمات نفسه، فهو يتوسَّل بأنواع الحيل وصنوف الكيد ليجمع مالاً لا فائدة له من جمعه، ولا نية له في إصلاح شأن نفسه به، إذا اجتمع عنده منه ما يقوم له بذلك، بل ليدفنه في باطن الأرض حتى يُدفَن معه، أو لينظمه في سلك مرقعته حتى يرثه الغاسل من بعده، ولقد يبلغ به الحرص الدنيء والشَّرَه السافل أن يحمل في سبيل المال ما لا يستطيع مجاهد أن يحمل مثله في سبيل الله، فيتعمد قطعَ يده أو ساقه أو إتلاف عينيه أو إحداهما؛ ليستعطف القلوب عليه، وكثيرًا ما يحسد صاحبه إذا رآه أفظعَ منه شكلاً أو أكثر تشويها كما يُحكى أن شحَّاذًا مقطوعَ الساق قد وضع مكانها أخرى من الخشب تقابل مع آخر كفيف البصر فتنافسا في مصيبتيهما أيتهما أقذى للأعين، وأوقع في النفس، وأجلب للرحمة، فقال الأول للثاني: لقد وهبَك الله نعمة العمَى، ومنحك بسلب ناظريك أفضل حبالة لاصطياد القلوب، واستفراغ الجيوب، فقال له صاحبه: وأين يبلغ العمى من هذه الرِّجْل الضخمة الثقيلة التي تجلب في كل عام وزنها ذهبًا.
إن أكبر جريمة يجرمها الإنسان إلى الإنسانية أن يساعد هؤلاء المتسولين بماله على الاستمرار في هذه الخطة الدنيئة، فيُغري كلَّ من شعر في نفسه بالميل إلى البطالة وإيثار الراحة بالسعي على آثارهم، والاحتراف بحرفتهم، فكأنه قطع من جسم الإنسانية عضوًا كاملاً، لو لم يقطعه لكان عضوًا عاملاً، وكأنه هدم بعمله هذا جميع تلك المساعي الشريفة التي بذلها الأنبياء والحكماء قرونًا عديدة لإصلاح المجتمع الإنساني، وتهذيب أخلاقه وتخليصه من آفات الجمود والخمول، فهل رأيت معروفًا أقبحَ من هذا المعروف وإحسانًا أسوأ من هذا الإحسان.
کوئی تبصرے نہیں:
ایک تبصرہ شائع کریں